السفر يبهج اليوم..والتجارة تنقذ غداً
((السفر يبهج اليوم..والتجارة تنقذ غداً))
لم أكن يوماً من أولئك الذين يهوون التدخل في حياة الآخرين لكن هناك صداقات تجعل الصمت خيانة..وتجعل الكلام واجباً يشبه إنقاذ شخص لا يرى ما ينتظره أمام الطريق.
لدي صديق عزيز يعمل في دائرة حكومية..يمتلك بيتاً مستقراً وراتباً جيداً ويعيش حياة يظن أنها كافية ومؤمّنة..وكلما تحدثت معه شعرت أن المشكلة ليست في حياته الحالية..بل في نظرته الضيقة للمستقبل..وكأن الزمن سيبقى وفياً له كما هو الآن.
كنت أراه يجمع المال من أجل السفر..ليس سفراً ينعش الروح مرة في السنة..بل سفراً بلا هدف..سفراً أصبح شغله الشاغل..يهرب به من الملل..ويظن أنه يصنع ذكريات بينما هو في الحقيقة يبدد فرصاً كان يمكن أن تبني له مستقبلاً أقوى..حاولت أن أحدثه عن التجارة..عن مشروع صغير يبدأ بخطوة بسيطة..عن شيء ينمو مع الأيام كما تنمو الأشجار التي تبدأ ببذرة لا يراها أحد..لكنه كان يبتسم بثقة ويقول:
(يافهد أنا طموحي بيت وراتب جيد..وإذا تقاعدت سيبقى راتبي جيد..فلماذا أحمّل نفسي مسؤوليات إضافية؟!)
هنا أدركت أن المشكلة ليست في السفر..بل في الفكرة التي يحملها عن الحياة..السفر جميل حين يكون استراحة..حين يكون مرة في السنة..حين يكون مكافأة للنفس..لكنه يصبح عبئاً حين يتحول إلى عادة تلتهم المال والوقت وتؤجل كل ما ينفع الإنسان في مستقبله. السفر الكثير لا يبني شيئاً.. لا يضيف خبرة حقيقية..لا يصنع أماناً.. بل يترك الإنسان في نهاية المطاف أمام حقيبة ذكريات لا تطعمه ولا تحميه ولا تسانده حين تتغير الدنيا.
والدنيا تتغير..الظروف الاقتصادية العالمية تتقلب..الأسعار ترتفع..العملات تهتز..والخصخصة بدأت تدخل كثيراً من الدوائر الحكومية.. والخصخصة ليست كلمة عابرة..بل هي تغيير جذري في شكل الوظائف..في الأمان الوظيفي..في الرواتب..في الامتيازات.. الخصخصة تعني أن الدائرة التي تعمل فيها اليوم قد تصبح غداً شركة خاصة..وأن الراتب الذي تعتمد عليه قد يخضع لسياسات جديدة..وأن الأمان الذي تظنه ثابتاً قد يصبح مجرد ذكرى..الخصخصة تعني أن الاعتماد على راتب واحد يشبه الوقوف على قدم واحدة في أرض تهتز.
قلت له إن السفر لن ينفعه حين تتغير الظروف..وإن الأموال التي يصرفها اليوم على رحلات لا تضيف شيئاً لحياته سيأتي يوم ينظر إليها بحسرة ويقول:
(ليتني استثمرتها في تجارة صغيرة..ليتني صنعت لنفسي باباً آخر..ليتني لم أترك مستقبلي معلقاً براتب واحد)
السفر لا يطعم..لا يحمي..لا يبني..لايخلق مصدر دخل..لا يصنع أماناً..السفر الكثير يشبه رشّ الماء على أرض عطشى..لاينبت شيئاً..
وحين حدثته عن التجارة قال إنه لا يريد أعباء ومسؤوليات إضافية..وإن ظروفه الأسرية والعملية لا تسمح له بحمل المزيد..فابتسمت وقلت له بلطف:
( المسؤوليات ليست عبئاً.. بل هي دليل حياة..الإنسان الذي يهرب من المسؤولية يهرب من النمو..يهرب من القوة..يهرب من بناء شيء يخصه..المسؤولية ليست حجراً على الظهر..بل هي جناح إضافي..التجارة لا تأخذ منك..بل تعطيك..تعطيك استقلالاً.. تعطيك أماناً.. تعطيك قدرة على مواجهة الظروف بدل انتظارها)
قلت له إن الإنسان الذي يظن أن الراحة هي الحل يعيش راحة مؤقتة..لكنه يدفع ثمنها لاحقاً مضاعفاً..وإن التجارة ليست صراعاً بل هي سلوك اجتماعي ونفسي صحي، تجعل الإنسان أكثر وعياً.. أكثر قوة..أكثر قدرة على اتخاذ القرار..وإن المسؤولية التي يخاف منها اليوم ستصبح غداً هي الشيء الذي ينقذه من ضيق الحياة حين تتغير الظروف.
ربما لن يقتنع الآن، وربما سيضحك على كلامي كما يفعل كل مرة..لكني أعرف أن الأيام ستثبت ما أقوله..وأن اللحظة التي يشعر فيها الناس بأن الراتب لم يعد يكفي ستكون اللحظة التي يتمنى فيها لو أنه بدأ مشروعه الصغير قبل سنوات..وأنا لا أريده أن يصل إلى تلك اللحظة متأخراً.
أريده فقط أن يفهم أن السفر جميل حين يكون استراحة..لكنه يصبح خطراً حين يكون بديلاً عن بناء المستقبل..وأن التجارة ليست عبئاً.. بل هي أمان..وأن المستقبل لا ينتظر أحداً.