حين يصبح الاختلاف وقوداً..ويظل الحب ثابتاً
((حين يصبح الاختلاف وقوداً..ويظل الحب ثابتاً))
في كل مرة أحاول أن أبتعد عن الحديث في السياسة..أجد نفسي أعود إليها من باب لم أتوقعه..باب يفتح عليّ سؤال ظل يلاحقني في السنوات الأخيرة:
كيف يكون من كان معنا في يومٍ من الأيام..وكنا معه في خندق واحد...أن نصل معه إلى مرحلة هذا العداء الإعلامي؟
سؤال لا يأتي من فراغ..بل من ذاكرة ما زالت تحتفظ بوجوه كانت قريبة..بأصوات كانت تشاركنا هموم الأمة وتجلس معنا على الطاولة ذاتها..وتناقش معنا المصير ذات ثم فجأة (وبلا مقدمات واضحة) أجد أن الخطاب تغير..وأن لغة التشكيك والسب والشتم أصبحت جزءاً من المشهد..وكأن ما بيننا لم يكن يوماً سوى فصل عابر لا يستحق حتى التوقف عنده.
أتذكر جيداً عام 2018 حين حضرت العيد الوطني لهذه البلاد الجميلة بدعوة كريمة من شخص ما زلت أتواصل معه حتى اليوم..كانت لحظات لا تُنسى..لحظات جعلتني أشعر وكأنني أعيش في دولتي رغم أنني كنت ضيفاً..رأيت في تلك الأيام ما يجعل الإنسان يزداد حباً لهذه الأرض..لهذا الشعب الطيب..لهؤلاء الحكام الذين يحملون من الحكمة والاتزان ما يجعلهم يتعاملون مع الأمور السياسية بعمق لا يصل إليه إلا من عرف قيمة الاستقرار..ومنذ ذلك الوقت وقبله وبعده لم يتغير شيء في قلبي تجاه هذه البلاد..بل ربما ازداد الحب رسوخاً.
ومع ذلك لايمكن تجاهل أن السياسة..حين تتشابك خيوطها تُحدث ضجيجاً في الإعلام..ضجيجاً لا يصدر عن الشعوب بل عن أفراد يظنون أنهم يتحدثون باسم الدول وهم لا ينتمون لها..أفراد يحبون أن يسكبوا الزيت على النار وأن يحوّلوا الاختلاف الطبيعي إلى صراع مفتعل..وأن يقدّموا أنفسهم كحماة للهوية وهم في الحقيقة مجرد صدى لصوت لا يمثل إلا نفسه..وهنا تحديداً يبدأ السؤال المؤلم:
أيعقل أن السياسة تعمل كل هذا؟
أيعقل أن المصير الواحد ينقلب بين يوم وليلة..وأن ما كان رابطاً يصبح فجوة يتسلل منها كل من يريد أن يرفع صوته فوق صوت العقل؟
سبق أن كتبت مقالاً بموقعي (مدونة فهد الحربي) بعنوان (هذا ما أقوله قبل الصمت) وكنت صادقاً حين قلت إنني لن أكتب في السياسة مجدداً..ولن أغرد أو أشارك في أي موضوع سياسي..كنت أظن أن الصمت سيمنحني مساحة آمنة..وأن الابتعاد سيحميني من الخيبة..لكن هناك أموراً تجعل الإنسان في حيرة من أمره خاصة عندما ينقلب الحب إلى تشويهٍ للسمعة..وعندما يتحول الاختلاف إلى منصة للطعن..وعندما يصبح الماضي الجميل مادة للتقليل أو التأويل أو الاتهام.
ومع كل هذا وبالنسبة لي كمواطن سعودي لا تزال هذه البلاد الطيبة في قلبي كما كانت..ولا يزال شعبها وحكومتها في مكانهم الذي لم يتغير..أتذكر الأيام الجميلة بيننا..تلك الأيام التي كانت السياسة فيها مجرد خلفية بعيدة لا تتدخل في العلاقات ولا تفسد الود بين الشعوب..وللأسف ان الأمور السياسية تؤثر على علاقة الشعوب عند الناس الجهلة..أما الحكماء من السياسيين فلطالما امتلكوا من الحكمة والاتزان ما يجعلهم يحلون مثل هذه الأمور..أو على الأقل يخففون حدتها حتى لا تتحول إلى كراهية عمياء.
وما يحدث اليوم ليس جديداً على العالم دول كثيرة مرت بما نمر به ثم تغير كل شيء لاحقاً..انظر مثلاً إلى تركيا واليونان كيف عاشتا سنوات طويلة من التوتر الإعلامي..من الاتهامات..من التصعيد ثم عادتا تدريجياً إلى طاولة الحوار وعادت العلاقات بينهما لتتحسن خطوة خطوة حتى أصبحت المصالح المشتركة أقوى من الضجيج..وانظر إلى فرنسا وألمانيا كيف تحول تاريخ مليء بالصراع إلى شراكةٍ سياسية واقتصادية تُعد اليوم من أقوى التحالفات في أوروبا..بل حتى الولايات المتحدة واليابان بعد صراعٍ مرير استطاعتا أن تبنيا علاقة قائمة على الاحترام والمصالح المتبادلة رغم أن الماضي بينهما كان يوماً مليئاً بالعداء.
هذه الأمثلة ليست مجرد سرد للتاريخ بل تذكير بأن العداء الإعلامي ليس قدراً..وأن الشعوب حين تهدأ أصوات المتطرفين تعود إلى طبيعتها..وأن العلاقات التي تتعرض للتشويه يمكن أن تستعيد شكلها حين تتغير الظروف..وأن ما يبدو اليوم خلافاً حاداً قد يصبح غداً صفحةً تُطوى لصالح مستقبل أفضل.
وربما ما يجعلني أكتب الآن..رغم أنني وعدت بالصمت هو أنني لا أريد أن أرى ما بيننا يُترك للضجيج..ولا أريد أن أصدق أن السياسة قادرة على محو كل شيء..فالعلاقات التي تُبنى على الصدق لا تموت..والشعوب التي يجمعها الاحترام لا تفترق..والخلاف مهما اشتد لا يجب أن يتحول إلى كراهية..ورغم الخيبة لا يزال في القلب مكان للأمل.