((حين يخاف السجين من العالم))
لم أكن أتوقع أن يقفز شيء من شاشة (اليوتيوب) ليهزني بهذا الشكل..كنت أشاهد لقاء قديماً للفنان الراحل (سعيد صالح) لقاء عابر من تلك اللقاءات التي نمر عليها عادة بلا انتباه كبير. لكن السؤال الذي طرحته المذيعة وإجابته التي جاءت بعدها فتحا باباً لم أكن مستعداً له..سألته عن ذكرياته في السجن ثم مضت أبعد من ذلك: هل الحياة داخل السجن أفضل أم خارجه؟ ابتسم (سعيد صالح) ابتسامة لا تشبه أي ابتسامة نعرفها عنه، ثم قال جملة لا يمكن أن تمر مرور الكرام: (الحياة داخل السجن أفضل بمليون مرة من خارجه)
لم يكن الأمر مزحة ولا محاولة لإثارة الجدل..كان يتحدث بصدق يشبه صراحة شخص لم يعد لديه ما يخسره..المذيعة بدت مذهولة، وربما نحن أيضاً لو كنا مكانها..سألته عن السبب فجاءت إجابته أكثر غرابة، لكنها في الوقت نفسه تحمل شيئاً من الحقيقة التي نخشى الاعتراف بها..قال إنه كان يجلس يومياً مع المساجين على طاولة واحدة، يأكلون معاً، ويتحدثون بلا أقنعة..كل واحد يعرف حقيقة الآخر..هذا سارق، وهذا تاجر مخدرات، وهذا مظلوم، وهذا مزور، وهذا (بلطجي) لا أحد يدّعي الطهر، ولا أحد يختبئ خلف شخصية مصنوعة بعناية.
الغريب أن وصفه لم يكن عنيفاً ولا سوداويّاً..كان يتحدث عن السجن كما لو أنه مساحة مكشوفة بلا زيف، بلا محاولات تجميل..قال إن حراس السجن كانوا يخافون عليهم من البشر في الخارج..أولئك الذين يبتسمون بوجه ويخفون وجهاً آخر..البشر الذين يغيّرون جلدهم حسب الموقف، ويجيدون التمثيل أكثر من أي ممثل محترف.
هذه الفكرة وحدها كافية لتربك أي شخص..كيف يمكن لرجل عاش حياة مليئة بالشهرة والنجومية أن يجد في السجن ما لم يجده في العالم الواسع؟ لكن حين تفكر قليلاً، تجد أن كلامه ليس بعيداً عن واقع نعيشه كل يوم..نحن نتحرك بين وجوه كثيرة، بعضها لا نعرفه جيداً، وبعضها نعرفه أكثر مما نريد..نرتدي أقنعة صغيرة، نخفف من حقيقتنا هنا، ونزيد عليها هناك، حتى يصبح من الصعب معرفة أين ينتهي الوجه الحقيقي وأين يبدأ الوجه المصنوع.
ربما ما قصده الراحل (سعيد صالح) ليس أن السجن مكان جميل، بل أن وضوح العلاقات فيه يريح الروح..الإنسان بطبيعته يخاف المجهول، والوجوه المزدوجة أكثر غموضاً من أي زنزانة. في السجن كما وصفه، يعرف كل شخص موقعه، ويعرف الآخرون موقعه أيضاً..لا أحد يبيع وهماً، ولا أحد يشتريه..وهذا النوع من الصراحة، مهما كان قاسياً، يظل أقل إيلاماً من الخداع الناعم الذي نواجهه في الخارج.
لكن لا يمكن أيضاً أن نأخذ كلامه كحقيقة مطلقة.. فالسجن يظل سجناً، مهما حاولنا تلطيف الصورة..هناك من يخرج منه محطم الروح، وهناك من لا يخرج أبداً..وربما تجربة الفنان (سعيد صالح) كانت مختلفة لأنه كان فناناً معروفاً، أو لأن شخصيته أصلاً تميل إلى السخرية من الواقع ومع ذلك تبقى الفكرة التي طرحها جديرة بالتأمل:
هل نحن فعلاً نعيش في عالم يضطر فيه الإنسان إلى ارتداء قناع كي ينجو؟
ما شدني في كلامه ليس المقارنة بين السجن والحرية، بل المقارنة بين الحقيقة والزيف..بين أن تكون كما أنت، بخطاياك وأخطائك، وبين أن تتظاهر بأنك نسخة محسنة من نفسك..نحن نعيش في زمن يطالبك فيه الجميع بأن تكون مثالياً، ناجحاً، مبتسماً، متوازناً، بينما الحقيقة أكثر فوضوية بكثير..وربما لهذا السبب شعر (سعيد صالح) براحة غريبة داخل السجن لأنه لم يكن مضطراً لتمثيل أي دور.
الفائدة الحقيقية من هذا اللقاء ليست في الحكم على السجن أو الخارج بل في النظر إلى أنفسنا. كم مرة أخفينا شيئاً من حقيقتنا خوفاً من نظرة الآخرين؟
كم مرة ابتسمنا ونحن لا نشعر بأي رغبة في الابتسام؟
كم مرة تظاهرنا بأننا بخير لأن المجتمع لا يحب رؤية الضعف؟ ربما السجن الذي تحدث عنه ليس مكاناً له جدران وأسوار، بل حالة يعيشها كثيرون خارج السجون..سجن التوقعات، وسجن المجاملات، وسجن الوجوه المتعددة.
لقاء (سعيد صالح) كان أشبه بصفعة لطيفة، تذكير بأن الإنسان يحتاج إلى مساحة يكون فيها صريحاً مع نفسه ومع الآخرين..مساحة لا يضطر فيها لتلميع صورته أو إخفاء عيوبه وربما فقط.. ربما لو كنا أكثر صدقاً في الخارج لما وجد أحد راحته في الداخل.