((جواهر: الحكاية التي وصلتني متأخرة))
الاستاذ فهد الحربي:
أنا لا أعرف كيف وصلت إلى هنا ولا لماذا اخترتك أنت بالذات..لكنني وجدت اسمك في جوال (جواهر) في محادثة قديمة جداً رسالة قصيرة كانت قد أرسلتها لك قبل سنوات مجرد سؤال بسيط لا يدل على شيء لكنني توقفت عند اسمك لأنني كنت أبحث عن شخص لا يعرف تفاصيلنا..شخص يمكن أن يسمع دون أن يقاطع أو يخفف أو يقول كلاماً محفوظاً..أنا أختها وأشعر منذ رحيلها أن شيئاً ثقيلاً يجلس فوق صدري.. وأنني لو لم أحكي ما حدث لشخصٍ ما ستظل (جواهر) معلّقة في رأسي بطريقة تؤلمني كل ليلة..(جواهر) لم تكن تلك الصورة التي يحب الناس رسمها..لم تكن ملاكاً ولا أسطورة.. كانت بنتاً عادية مثلنا، لكنها كانت تملك ذلك الهدوء الذي يجعل الآخرين يبالغون في وصفها..كانوا يقولون إنها بيضاء كذا وهادئة كذا..وأنا كنت أغضب أحياناً لأنني كنت أريدهم أن يروا (جواهر) كما هي، لا كما يحبون أن يصفوها، لكنها كانت تبتسم وتقول لي:
(خليهم..الناس تحب الكلام)
كانت ترفض كل من يتقدم لها، ليس لأنها تحب أحداً وليس لأنها تخفي سراً بل لأنها لم تكن تشعر بالارتياح، كانت تقول لي:
(أحس أني ما أقدر أرتبط الآن ما أعرف ليه)
وأنا كنت أصدقها لكن الناس لا يصدقون البنات حين يقلن إنهن لا يعرفن السبب.. وبدأت الأحاديث والقصص التي تُصنع في المجالس، وصار بيتنا مكاناً يمرّ به كل من يريد أن يقول رأياً حتى لو لم يعرف (جواهر) أصلاً وكل واحدة تلمّح بشيء، وكل رجل يضيف شيئاً وكأن حياتها أصبحت ملكاً عاماً..وفي يوم جاء (حمد) لم يكن مختلفاً كثيراً عن الآخرين لكنه جاء في لحظة كانت فيها (جواهر) متعبة من الكلام، من النظرات، من الأسئلة، قبلته بسرعة بطريقة لم أفهمها سألتها: متأكدة؟ قالت:
(أريد أن أرتاح بس)
وكأنها كانت تبحث عن باب يغلق خلفها كل ذلك الضجيج..وفي بيت الزوجية كانت (جواهر) نفسها لكنها كانت تعمل أكثر مما يجب وتضحك أقل مما كانت تفعل..وتخفي إرهاقها بطريقة تجعلني أشعر أنها تحاول أن تثبت شيئاً لا أعرفه..كانت تحب أولادها بشكل يجعلني أحياناً أظن أنها تحاول أن تعوّض شيئاً ناقصاً في قلبها..كانت تقول لي:
(ابغاهم يكبرون وهم يعرفون أن أمهم كانت موجودة دائماً)
وكانت موجودة فعلاً في كل شيء، في كل لحظة، حتى حين بدأ المرض..لم نعرف في البداية أنه فشل كلوي كانت تقول:
(ظهري يوجعني يمكن إرهاق)
ثم صار الوجع أكبر وصارت (جواهر) أصغر كانت تنام قليلاً وتعمل كثيراً وتخفي الألم كأنها تخاف أن ينهار البيت لو قالت الحقيقة، وفي اللحظة التي كان يجب أن يكون فيها زوجها معها اختفى..سافر فجأة دون تفسير وحين عاد عاد ومعه امرأة أخرى قال إنها عاملة ستساعد (جواهر) لكن (جواهر) لم تكن غبية، كانت تسمع ضحكاتهما في الليل، تسمع خطواتهما، تسمع الحياة التي تُعاش بجانبها بينما هي تموت ببطء..أتذكر ليلة يا استاذ فهد اتصلت بي فيها وهي تبكي لم تكن تبكي بصوت عالي بل كانت تبكي بطريقة تجعلني أشعر أن شيئاً انكسر فيها ولن يعود قالت لي:
(أحس أني زايدة كأني قطعة أثاث قديمة)
لم أعرف ماذا أقول كنت أسمع صوتها وأشعر أن الكلمات كلها تافهة وأنني مهما قلت لن أغيّر شيئاً المرض اشتد..(جواهر) صارت ضعيفة جداً حتى أنني كنت أخاف أن ألمس يدها فتتكسر.. كانت تنظر إليّ نظرة طويلة..نظرة لا أعرف معناها..كأنها تريد أن تقول شيئاً لكنها لا تملك القوة، كانت تقول:
(لو صبر..لو انتظرني بس..ما بقى كثير)
وفي المستشفى كانت (جواهر) مختلفة لم تعد تهتم بشيء..لم تعد تسأل عن أولادها كما كانت تفعل دائماً كانت تنظر للسقف كثيراً وتغمض عينيها وتفتحها.. كأنها تحاول أن تتذكر شيئاً أو تنساه..وفي آخر يوم دخلت عليها فوجدتها هادئة بطريقة أخافتني وضعت يدي على يدها ففتحت عينيها قليلاً ثم أغلقتهم لم تقل شيئاً.. لم تطلب شيئاً.. لم تشتكي وكأنها أخيراً وجدت مكاناً ترتاح فيه..رحلت (جواهر)..رحلت بطريقة بسيطة جداً بلا ضجيج..بلا كلمات..بلا وداع طويل..رحلت وهي التي كانت تستحق حياة كاملة لا نهايات موجعة..رحلت وتركت وراءها ثلاثة أطفال يسألون أسئلة لا أعرف كيف أجيب عليها..وتركتني أنا أحاول كل ليلة أن أتذكر صوتها دون أن أبكي..وكتبت لك لأنني وجدت اسمك في هاتفها..ولأنني شعرت أن قصتها يجب أن تُقال لشخص لا يعرف تفاصيلها لكنه يحترمها..لا أريد تعاطفاً ولا كلاماً كبيراً.. أريد فقط أن تعرف أن (جواهر) كانت إنسانة حقيقية..عاشت كما يعيش الناس..وتعبت كما يتعب الناس..ورحلت كما يرحل الناس لكنها لم تحصل على ما تستحقه من الحياة.
رحم الله (جواهر) وجعل صبرها نوراً لها..وجعل وجعها آخر ما تتذكره من الدنيا..وجعل الجنة دارها التي لا يُخون فيها أحد.

رد مع اقتباس