((ما أفسدته الحياة لا يصلحه المطار ))
قرأت ليلة أمس مقولة توقفت عندها طويلاً المقولة تقول: (ما أفسدته متاعب الحياة يصلحه السفر)
وللأمانة كلما أعدت قراءتها شعرت أنها واحدة من أكثر الجمل تضليلاً في ثقافتنا الحديثة..جملة تُقال بثقة لكنها مبنية على وهم بينما هي في جوهرها هروب مغلف بورق هدايا.
السفر لا يصلح ما أفسدته الحياة بل يؤجل مواجهته..هذه ليست رأياً عابراً بل حقيقة يؤكّدها علم النفس الحديث..
عالم النفس الامريكي (كارل روجرز) يقول إن الإنسان لا يغير حالته الداخلية بتغيير المكان..بل بتغيير وعيه..الباحثة في جامعة ييل لورين برباك أثبتت في دراسة حديثة أن السفر يرفع المزاج مؤقتاً لكنه لا يعالج الإرهاق النفسي المزمن لأن جذور الألم تبقى في الداخل مهما تغير الخارج..أما الطبيب النفسي البريطاني (ستيفن إلغار) فيصف السفر بأنه (هروب جميل) لكنه يظل هروباً والهروب لا يصنع شفاء بل يعيد الألم مضاعفاً عند العودة.
فلماذا نصر على تصديق هذه المقولة؟
لأن السفر أسهل من المواجهة..أسهل من الجلوس مع الذات..من الاعتراف بالجرح..من إصلاح العلاقات..من تغيير العادات..من مواجهة الحقيقة..السفر يمنحنا شعوراً سريعاً بالتحسن لكنه يشبه المسكّن..يخفّف الألم ولا يعالج سببه..لذلك يعود كثيرون من رحلاتهم كما غادروا..فقط بذكريات وصور بينما المشكلة ما زالت تنتظرهم عند باب البيت.
وأنا شخصياً أعرف هذا جيداً لم أجد نفسي في السفر ولم أشعر يوماً أن مدينة جديدة ستعيد ترتيب فوضاي..كنت أعود كما غادرت نفس الأسئلة..نفس الثقل..نفس الصمت الداخلي...كتشفت أن ما يصلحني ليس الرحيل بل الاقتراب من نفسي.
وجدت نفسي في الكتابة..الكتابة ليست هواية بل عملية جراحية بلا مشرط..أضع مشاعري على الورق فأراها بوضوح وأفهمها وأعيد ترتيبها.
عالم الأعصاب الامريكي (جيمس بينكر) يؤكد أن الكتابة تنظّم العاطفة وتخفّف التوتر أكثر من أي نشاط خارجي لأنها تعالج الداخل بدل الهروب منه.
وجدت نفسي في المشي..خطواتي على الأرض تعيدني إلى نفسي أكثر من خطواتي في المطارات..المشي يهدئ العقل ويصفي الذهن ويعيد ترتيب الأفكار..دراسة جامعة ستانفورد أثبتت أن المشي يزيد الإبداع ويخفّف القلق بنسبة كبيرة وهو تأثير لا يحتاج إلى جواز سفر.
وجدت نفسي في العلاقات الصادقة..حديث عميق مع شخص يفهمني لحظة دفء مع من أحب ضحكة حقيقية..هذه الأشياء تعيد بناء الإنسان من الداخل.
عالم الاجتماع الامريكي (روبرت بوتنام) يقول إن الروابط الإنسانية هي أقوى عوامل الشفاء النفسي وهي ما يعيد للإنسان توازنه أكثر من أي رحلة بعيدة.
وجدت نفسي في العادات الصغيرة نوم جيد..غذاء متوازن..رياضة بسيطة..وقت هادئ..أبحاث جامعة هارفارد تشير إلى أن العادات اليومية تؤثر على الصحة النفسية أكثر من السفر أو الترفيه لأنها تغيّر نمط الحياة لا مجرد مكانه.
لهذا أقولها بوضوح:
ما أفسدته الحياة لا يصلحه السفر..يصلحه أن نواجه، أن نفهم، أن نغيّر، أن نعتني بأنفسنا، أن نقترب من من نحب، أن نعيد بناء الداخل بدل الهروب إلى الخارج..السفر جميل، لكنه ليس علاجاً..العلاج الحقيقي يبدأ من الإنسان نفسه..من وعيه..من عاداته..من علاقاته..من صدقه مع ذاته.
وأنا وجدت نفسي هنا في الكتابة والمشي والهدوء والناس الذين أحبهم..لا في المدن البعيدة التي لا تعرف شيئاً عني.

رد مع اقتباس