((في يوم ميلادي ..أجمع أفراحي القليلة وأهديها لنفسي))

في يوم ميلادي..أقف أمام هذا العمر كما يقف المسافر عند بوابة مطار لا يعرف إن كان سيغادر أم سيعود..أطل على السنوات التي مرت..سنوات مشت فوق قلبي كما تمشي الريح فوق كثبان لا تترك أثراً واضحاً لكنها تغير شكل الرمل كله..ابحث في العتمة عن شيء يشبه الفرح..عن لمسة صغيرة تقول لي إنني لم أعش عبثاً..وإن هذا القلب الذي ظل يركض في الطرقات الموحشة لم يكن وحيداً تماماً كما ظن.
يا نفسي..يا نبتة صبار نمت في صحراء لا ظل فيها ولا ماء..صحراء لا يمر بها أحد إلا ليعبر لا ليبقى..كم مرة وقفت تحت شمس لا ترحم وقلت: (سأصمد) وكم مرة جاء الليل بلا نجوم فقلت: (سأنتظر).. أنت التي لم تتعلمي كيف تتلقين الهدايا لأنك لم تتلقي يوماً شيئاً سوى التجارب الثقيلة..ولم تتعلمي كيف تفرحين لأن الفرح كان دائماً يمر بجانبك دون أن يراك.
ويا نفسي..يا قارباً ضائعاً في أعماق بحارهائجة..تتقاذفه الأمواج من جهة إلى أخرى..بلا شاطئ يلوح في الأفق..بلا ميناء يفتح ذراعيه..بلا يد تمتد إليه حين يوشك على الغرق..أعرفك يانفسي..أعرف أنك كنت دائماً ترفعين رأسك رغم التعب..وتواصلين الطفو رغم أنك لم تعودي تملكين سبباً واحداً للبقاء فوق الماء..أعرف أنك كنت تبحثين عن دفء صغير..عن كلمة واحدة..عن عين ترى وجعك دون أن تطلب منك تفسيراً.
في يوم ميلادي..أجمع أفراحي القليلة جداً تلك التي تشبه نقاط ضوء صغيرة في آخر ممر طويل..وأخلطها بأحزاني الكثيرة جداً.. أحزان تراكمت في صدري كما يتراكم الغبار على رفوف مهجورة..أضعها بين يديك يا أنا..وأهديها لك كأنني أقول:
(هذا كل ما لدي خذيها)
ربما تجدين بينها شيئاً يلمع..شيئاً يخفف..شيئاً يعيد ترتيب الفوضى التي صارت جزءاً من يومي.
لقد علمني هذا العمر أن الناس مهما اقتربوا يظلون عابرين..وأن القلوب مهما بدت دافئة قد تبرد فجأة..وأن الصدق عملة نادرة لا يحملها إلا القليل..علمني أنني مهما بحثت عن الأمان خارج نفسي فلن أجده..وأن الوحدة ليست دائماً عقاباً بل قد تكون ملاذاً حين يكثر الضجيج وتكثر الخيبات.
أطل اليوم على أحلامي القديمة..تلك التي كتبتها يوماً على صفحات أعصابي فأجدها ما زالت حية رغم المسافات..رغم الجفاء..رغم العالم الذي صار يمشي بسرعة لا تناسب خطواتي..أطل على أيامي فأجدني أعيش هذا الزمن كغريب يسافر بين المدن..يراقب الفجر من نوافذ الطائرات..ويبحث عن مكان يضع فيه رأسه دون أن يشعر بأنه ضيف ثقيل على الحياة.
يا نفسي.. إن كانت الحياة قد أخذت منا أكثر مما أعطتنا..وإن كان الناس قد انشغلوا عنك..وإن كانت الأيام قد مرت فوقك بلا رحمة.. فإني اليوم أجدد العهد معك..أجعلك الملكة الوحيدة على عرش صبري..وأجعل حبي لك أكبر من حاجتي للآخرين..لن أطلب الدفء من قلوب باردة..ولن أبحث عن الأمان في طرق لا تعرفني..سأكون لك كما كنت لي وسأحمل هذا القلب كما يحمل المسافر حقيبته الأخيرة.
فهل بعد كل هذا الصمود من فرح منتظر؟
وهل من شاطئ هادئ يستريح فيه هذا القارب المرهق؟
لا أدري..
سؤال أحمله في يوم ميلادي كحمل ثقيل..أبحث له عن جواب بين السطور..
فهل من جواب يا نفسي يا أنا.