((المدينة التي لا تغادر القلب))





هناك مدن تمر بك مرور العابرين تترك في الذاكرة صورة أو اثنتين ثم تتلاشى..وهناك مدن أخرى لا تكتفي بأن تكون مكاناً تصبح جزءاً من تكوينك، كأنها طبقة إضافية في القلب لا يمكن نزعها.
المدينة المنورة بالنسبة لي ليست مجرد مسقط رأس، بل مسقط روح، وكلما حاولت أن أصف علاقتي بها شعرت أن الكلمات تضيق عن حمل ما فيها من دفء.

ولدت في الرياض عام 1977 في زمن كانت فيه الحياة أبسط، وكان والدي -رحمه الله- يعمل في إحدى الوزارات هناك..درست الصف الأول في الرياض ولم أكن أدرك حينها أن انتقالنا إلى المدينة المنورة سيغيّر شيئاً في داخلي إلى الأبد..ما إن وصلت إليها حتى شعرت بأن الهواء مختلف، وكأن للمدينة طريقة خاصة في الترحيب، لا تعتمد على مظاهر ولا على ضجيج، بل على سكينة تتسلل إليك دون أن تستأذن.

في شوارعها بدأت أتعرف على معنى الانتماء الحقيقي..درست المرحلة الابتدائية في مدرسة أبي نصر الفارابي، ثم المتوسطة في عبدالرحمن بن خلدون، وبعدها ثانوية أحد..تلك المدارس لم تكن مجرد مبانٍ، بل محطات صنعت صداقاتي الأولى، وعرّفتني على وجوه بقيت جزءًا من حياتي حتى اليوم..محمد قطان، أسامة رفه، مازن شقرون، حسين الباهلي، سلطان الردادي وغيرهم كثير ممن لا يسعني ذكرهم جميعاً لكن حضورهم في الذاكرة لا يقلّ عن حضورهم في الواقع..كنا كالاخوة، لا تجمعنا المصالح ولا تفرّقنا الهويات، بل يجمعنا شيء أبسط وأعمق: أننا أبناء مدينة واحدة، نحمل طيبتها في سلوكنا قبل كلماتنا.

أتذكر صديقي العزيز محمد بسيوني، الذي رافقني منذ الابتدائية حتى الثانوية لم أكن أعرف أنه مصري إلا بعد أن كبرنا، ولم يكن ذلك مهماً أصلًا..وكذلك أحمد أبو طه، الفلسطيني الذي لم يخبرني يوماً عن جنسيته، ولم يخطر ببالي أن أسأل..كنا نرى بعضنا كما نحن، بلا تصنيفات ولا أسئلة مسبقة..اليوم تغيّر العالم، وصارت الهوية تُسأل قبل الاسم، والجنسية تُناقش قبل الأخلاق، لكن المدينة في تلك السنوات كانت أكبر من هذه التفاصيل.

حتى الطوائف لم تكن تعني لنا شيئًاً..أحد زملائي لم أعرف أنه من الطائفة الشيعية إلا بعد سنوات طويلة، ولم يغيّر ذلك شيئاً في نظرتي إليه..كنا نلعب، ندرس، نضحك، ونختلف أحياناً لكن لم يكن بيننا ما يشير إلى أن هناك خطوطاً يجب أن تُحترم أو حدوداً يجب أن تُراقَب..المدينة كانت تذيب كل ذلك، وتعيد تشكيل الناس بطريقة تجعلهم أقرب لبعضهم مما يتوقعون.

هذا التعايش لم يكن مجرد شعور، بل واقع نعيشه كل يوم..جيرة بين القبائل والحضر، محبة تمتد بين البيوت، تزاوج يربط العائلات، وقرابة تتسع لتشمل من لم يولدوا أصلاً في المدينة..كل ذلك كان يحدث دون أن يشعر أحد بأنه يفعل شيئاً استثنائياً.. كأن المدينة نفسها تفرض هذا النمط من الحياة، وتعلّم أهلها أن الاختلاف ليس سبباً للابتعاد، بل فرصة للالتقاء.

سافرت كثيراً بعد ذلك سواء للعمل او السياحة رأيت النمسا بجبالها التي يقال إنها قطعة من الجنة..وماليزيا بخضرتها التي لا تنتهي.. وهاواي بشواطئها التي تبدو كأنها مرسومة باليد..مدن جميلة لا أنكر ذلك لكنها لم تلمس قلبي كما فعلت المدينة المنورة..هناك شيء في المدينة لا يمكن نسخه، لا يمكن شرحه، ولا يمكن مقارنته..ربما هو تاريخ الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وربما هو وجود مسجده وقبره وصحابته، وربما هو ذلك الشعور الذي ينتابك حين تمشي في طرقاتها وكأنك تسير في زمن آخر.

المدينة ليست أجمل المدن من حيث العمران، وليست الأغنى من حيث المظاهر، لكنها الأغنى من حيث الروح..حين أعود إليها أشعر أنني أعود إلى نسخة أهدأ من نفسي، نسخة تعرف ما تريد دون ضجيج..بعض الناس يقولون إن الحب للمكان مبالغ فيه، وإن المدن لا تستحق كل هذا التعلق، لكنني لا أستطيع أن أتعامل مع المدينة بهذه البرودة..هي المكان الوحيد الذي يجعلني أصدق أن للأماكن ذاكرة وأنها تتذكر من مرّ بها كما نتذكر نحن من مرّ بحياتنا.

ربما أحب الرياض لأنها أول مكان فتحت فيه عيني وعاصمة القرار العربي والدولي وأحب جدة لأنها مدينة البحر التي لا تملّ، لكن المدينة المنورة شيء آخر..هي المكان الذي علّمني أن الناس يمكن أن يعيشوا معاً دون أن يسأل أحدهم الآخر:
من أين أنت؟
هي المكان الذي جعلني أؤمن أن التعايش ليس شعاراً بل ممارسة يومية تبدأ من المدرسة ولا تنتهي عند حدود العمر.

ولذلك مهما ابتعدت ومهما رأيت من مدن توصف بأنها جنان الأرض يبقى قلبي معلّقاً بالمدينة المنورة ليس لأنها الأفضل في كل شيء بل لأنها الأفضل لي أنا وهذا يكفي.