((جمال لا يكتمل بلا حياء))
كان أبو مشعل يتصفح مدونتي كعادته..لا يبحث عن شيء محدد فقط يمرّ على الكلمات التي أكتبها حين تضيق بي فكرة ولا أريد أن أتركها معلّقة في رأسي..توقف عند جملة قصيرة أعاد قراءتها ثم قال وهو يرفع عينه عن الشاشة:
( يا فهد ايش قصدك هنا؟ أحسها قصيرة بس فيها شيء مو واضح)
كانت الجملة: (كثيرات جميلات لكن ليس لجمالهن أي تأثير لأنهن بلا حياء..تماماً كالوردة بدون عطر)
لم أكن أتوقع أن يتوقف عندها لكنها فعلت فيه ما فعلته فيّ يوم كتبتها.
تلك الجملة جاءت من موقف بسيط لا من تأمل طويل..كنت في مكان عام ورأيت امرأة جميلة جداً جمالها واضح لكن حضورها كان مزعجاً بطريقة لا علاقة لها بالجمال..ضحكتها عالية..حديثها يملأ المكان بلا اعتبار..ولباسها يطلب الانتباه بطريقة لا تشبه الذوق ولا تشبه الاحترام..لم أشعر بالنفور منها لكنني شعرت بأن الجمال يمكن أن يصبح بلا قيمة إذا لم يرافقه شيء يهدّئه..خرجت من ذلك المكان وأنا أفكر: الشكل وحده لا يكفي، ولا يصنع أثراً ولا يترك انطباعاً يستحق أن يبقى.
حين سألني أبو مشعل لم أرتّب إجابة، قلت ما خطر في بالي:
(الحياء يا أبو مشعل مو زينة إذا غاب يغيّر شكل الإنسان حتى لو بقي جماله)
لم أقلها لأبدو حكيماً بل لأنها كانت أقرب ما يمكن أن يشرح ما شعرت به..هناك أشخاص، نساء ورجال، لا يملكون جمالاً لافتاً لكنك ترتاح لوجودهم وتشعر أن حضورهم لا يضغط عليك..وهناك آخرون جمالهم قوي، لكنك تشعر بأنهم يجرّون المكان معهم، كأنهم يريدون أن يثبتوا شيئاً لا تعرفه ولا يهمك أن تعرفه.
ومع ذلك لم أكن أرى المرأة التي بلا حياء كأنها مذنبة دائماً..بعضهن يعتقدن أن الجرأة قوة، وأن رفع الصوت حرية، وأن كسر الحدود دليل على الثقة بالنفس..وربما المجتمع نفسه ساهم في هذا التصور حين جعل الصخب علامة على الحضور، وجعل الهدوء علامة على الضعف، وجعل المرأة تشعر أن الظهور لا يكون ظهوراً إلا إذا كان صاخباً..لكن الحقيقة أن الحياء لا يعني أن تكون المرأة منسحبة من الحياة، ولا أن تكون خجولة بشكل مبالغ فيه، ولا أن تخاف من الناس..الحياء طريقة في الظهور، طريقة تقول:
أنا موجودة لكن وجودي لا يؤذي أحداً ولا يجرح المكان، ولا يفرض نفسه بالقوة..وهذا المعنى مهما حاول البعض تجاهله، يبقى حاضراً في نظرة الناس وفي شعورهم تجاه من يلتقون بهم.
قلت لأبو مشعل:
(يا صديقي مو كل شيء ينشاف ينحب ولا كل شيء يلفت النظر يترك أثر)
لم أكن أحاول أن أقدّم مثالاً ولا أن أشرح نظرية بل كنت أتكلم كما يتكلم الإنسان حين يحاول أن يصف شيئاً رآه ولم يعجبه..المرأة التي رأيتها لم تكن سيئة ولم تكن مخطئة لكنها كانت مثالاً على أن الجمال وحده لا يصنع احتراماً.. يمكن أن يكون الشكل جميلًا جداً لكن السلوك يسرق من هذا الجمال أكثر مما يعطيه..ويمكن أن تكون المرأة عادية الملامح لكنك تشعر بأنها تعرف كيف تحفظ وتصون نفسها وكيف تحفظ المكان..وكيف تجعل وجودها طبيعياً وغير متكلّف.
حين كتبت تلك الخاطرة لم أكن أحاول أن أطلق حكماً ولا أن أقدّم درساً بل كنت أحاول أن أصف شعوراً واحداً وهو:
أن الجمال إذا لم يرافقه شيء يهدّئه يصبح بلا معنى..ليس لأن المجتمع يريد ذلك بل لأن الإنسان بطبيعته يميل إلى من يريحه لا إلى من يرهقه حتى لو كان جميلاً.. وهذا شيء لا يحتاج فلسفة ولا يحتاج شرحاً طويلاً ولا يحتاج أمثلة كثيرة..يكفي أن ترى شخصاً واحداً في يوم واحد لتفهم الفكرة كلها.
أبو مشعل لم يكن يبحث عن تحليل كان يريد أن يعرف لماذا كتبت تلك الجملة قلت له:
(كتبتها لأن الجمال اللي ما يترك أثر ما يهمّني والحياء اللي يترك أثر يهمني)
قلتها كما هي بلا محاولة لصياغة نهاية جميلة، بلا ترتيب، بلا هندسة.
وهكذا انتهى الحديث بيننا، لا بخلاصة، ولا بحكمة، بل بفكرة خرجت كما جاءت.

رد مع اقتباس