((ركعات تؤدى..وموبقات تُرتكب))



من المؤسف أن الصلاة بكل ما تحمله من معنى وقداسة لم تعد عند كثيرين كما أراد الله سبحانه وتعالى لها أن تكون..هي واجب على كل مسلم ومسلمة ركن لا يُناقش لكن ما أراه اليوم يجعلني أشعر بأن هذا الركن العظيم فقد شيئاً من روحه في حياة البعض..أرى أشخاصاً يقفون للصلاة وكأنهم يؤدّون حركة رياضية سريعة..يرفعون أيديهم ويخفضونها بلا حضور..بلا خشوع..بلا محاولة للاتصال بالله..كأن الجسد يعمل وحده بينما القلب في مكان آخر تماماً.
أحياناً أشاهد شخصاً يسرع في الركوع والسجود بطريقة تجعلني أتساءل كيف يمكن لهذه الحركات أن تحمل معنى إذا كانت تُؤدّى بهذه العجلة..تبدو الصلاة عنده كأنها مهمة يريد التخلص منها لا لحظة يقترب فيها من ربه..بعضهم يؤديها بطريقة تشبه البهلوانيات حركات متتابعة بلا روح..بلا تفكير.. بلا أثر..وحين ينتهي يعود إلى حياته كما هي لا يتغير شيء..لا يهدأ غضبه..لا يلين طبعه..لا يتراجع عن خطأ.
وما يزيد الأمر ألماً أن الدين عند البعض أصبح مجرد صورة خارجية..مظهر يُعرض أمام الناس لا علاقة له بما يجري في الداخل. ترى الشخص يحرص على أن يُرى وهو يصلّي لكنه لا يحرص على أن يبتعد عن النفاق..أو أن يكفّ عن الغيبة.. أو أن يتوقف عن أكل أموال الناس بالباطل..يصلّي ثم يخرج ليجرح أحدهم بكلمة..أو يظلم موظفاً..أو ينسج حديثاً مليئاً بالإساءة..كأن الصلاة لم تمرّ عليه أصلاً.
الأغرب من ذلك أن بعض هؤلاء يحتقرون من لا يصلي رغم أنهم يرتكبون من المنكرات ما لا يقترب منه ذلك الذي لا يصلي..رأيت أشخاصاً يعملون كل ما يمكن أن يُغضب الله من ظلم إلى فواحش إلى غيبة إلى أكل حقوق الناس ومع ذلك ينظرون إلى غير المصلي نظرة دونية.. كأنهم يملكون حق الحكم عليه..المفارقة أن ذلك الذي لا يصلي قد يكون أنقى منهم قلباً لا يفعل 1% مما يفعلونه من موبقات لكنه يصبح في نظرهم أقل شأناً لأنهم (يصلون)
هذا التناقض يجعلني أفكر كثيرًا في معنى الصلاة الحقيقي..الصلاة ليست مجرد وقوف وركوع وسجود..ليست حركات تُؤدّى بلا روح.. ليست واجباً يُسجَّل في دفتر اليوم ثم يُطوى..الصلاة علاقة..محاولة..لحظة يراجع فيها الإنسان نفسه..يهدأ..يتواضع..يعترف بخطئه..يحاول أن يكون أفضل..فإذا غابت هذه الروح تحولت الصلاة إلى شكل فارغ، لا ينهى عن فحشاء ولا عن منكر، ولا يغيّر شيئاً في حياة صاحبها.
أتذكر موقفاً رأيته قبل فترة بالمدينة المنورة رجل خرج من المسجد بعد صلاة العشاء، وما إن ابتعد خطوات قليلة حتى بدأ يصرخ على ابنه بطريقة قاسية..كان الطفل يمشي خلفه بصمت، يحاول مواكبة خطواته السريعة..لم يكن في المشهد ما يستدعي كل هذا الغضب لكن الرجل كان يتصرف كأن الصلاة لم تلمس شيئاً فيه..لم تمنحه لحظة واحدة من الرفق..هذا النوع من المشاهد يجعلني أدرك أن الصلاة عند البعض أصبحت مجرد عادة لا علاقة لها بالسلوك.
وفي المقابل رأيت أشخاصاً لا يتحدثون كثيراً عن عباداتهم..ولا يحرصون على الظهور بمظهر المتدين لكنك تشعر بأن فيهم شيئاً من الطيبة التي لا تُصنع..لا يرفعون أصواتهم..لا يدخلون في غيبة..لا يظلمون أحداً..قد يكونون مقصرين في الصلاة لكنهم أقرب إلى معنى الدين من أولئك الذين يرفعون أصواتهم في المساجد ثم يجرحون الناس خارجها.
الصلاة، حين تُؤدّى بروحها تغيّر الإنسان..تهذّبه. تذكّره..تضع أمامه مرآة يرى فيها نفسه كما هي..أما حين تتحول إلى حركات بلا معنى، فإنها تفقد قدرتها على التأثير..وهذا ما نراه اليوم عند كثيرين صلاة بلا أثر..دين بلا عمق..مظهر بلا جوهر.
ولعل أجمل ما في الصلاة أنها لا تحتاج إلى مثالية..تحتاج فقط إلى قلب حاضر ولو لحظة واحدة..إلى نية صادقة ولو بسيطة..إلى رغبة في أن يكون الإنسان أفضل مما كان عليه قبل دقائق فإذا وجد هذا وجد معنى الصلاة الحقيقي.