#1  
قديم 01-21-2026, 10:12 PM
الصورة الرمزية فهد الحربي
فهد الحربي فهد الحربي غير متواجد حالياً
مدير عام
 
تاريخ التسجيل: Oct 2014
المشاركات: 458
افتراضي عندما حاربت الكنيسة الحقيقة..غاليليو غاليلي نموذجاً



((عندما حاربت الكنيسة الحقيقة..غاليليو غاليلي نموذجاً))


في أحد الأمسيات عام 2014 دار نقاش طويل بيني وبين مجموعة من الأصدقاء حول شكل الأرض..بدا الأمر في البداية مضحكاً لكن سرعان ما اكتشفت أن بعضهم كان جاداً تماماً في اعتقاده أن الأرض مسطحة لا تتحرك وأن الشمس هي التي تدور حولها..
الغريب لم يكن الفكرة نفسها بل الإصرار عليها وكأن كل ما وصل إليه العلم خلال قرون لم يحدث أصلاً.

هذا الاعتقاد لم يكن غريباً في أوروبا خلال العصور الوسطى حيث كانت تلك هي الرؤية السائدة للعالم..الأرض ثابتة والسماء تدور وكل خروج عن هذا التصور كان يُعد خطراً على النظام الديني والاجتماعي.
ورغم أننا نعيش اليوم في عصر الأقمار الصناعية وصور الفضاء فإن بقايا ذلك التفكير
مازالت حاضرة لا كجهل بسيط بل كعناد غريب أمام الحقيقة.
عندما نعود بالزمن إلى القرن السابع عشر سنجد اسماً لا يمكن تجاوزه (غاليليو غاليلي) عاش الرجل في إيطاليا الممزقة آنذاك إلى دوقيات وإمارات حيث لم تكن حرية التفكير حقاً بل منحة يمنحها الحاكم إن شاء ويسحبها إن شاء..كان مصير الأفكار مرهوناً بشخصية الأمير لابقيمتها العلمية.
في بداية الأمر عمل (غاليليو) أستاذاً في جامعة داخل إمارة تسمح بهامش من الحرية..هناك أعلن دون تردد أن الأرض كروية وأنها تدور حول نفسها وأن الشمس ليست مركز الكون كما كان يُعتقد.
لم يحدث شيء في البداية وكأن الصمت كان إنذاراً مؤجلاً.
لكن السياسة لاتعرف الاستقرار..ومع تغير موازين القوى تغيرت الوجوه وضاق صدر السلطة بكل ما هو مختلف..وجد (غاليليو) نفسه فجأة أمام محاكم التفتيش متهماً بالهرطقة والكفر. لم يكن المطلوب منه دليلاً علمياً بل تراجعاً مهيناً. ومع ذلك تمسك بما توصل إليه مؤكداً أن العلم
لايُدار بالخوف وأن الحقيقة لا تتغير لأن أحداً يرفضها.
حُبس الرجل سنوات طويلة لا لجرم ارتكبه بل لفكرة آمن بها..وخلال تلك السنوات فقد بصره وتهالك جسده واقترب من نهايته..عندها تدخل تلامذته لابدافع الجبن بل بدافع إنقاذ ما تبقى من عقل نادر..أقنعوه أن يتراجع علناً فالحياة حتى وإن كانت منكسرة قد تخدم العلم أكثر من الموت.
وقف (غاليليو) أمام المحكمة وتراجع..قال
ما أرادوا سماعه..
أُطلق سراحه لكنه خرج محمولاً على أكتاف تلامذته عاجزاً عن السير..وبينما كانوا يبتعدون عن القاعة تمتم بجملة قصيرة لم يسمعها إلا من كان قريباً جداً:
(ومع ذلك..فهي تدور)
وبعد أشهر قليلة رحل.



. هؤلاء الذين دفعوا أعمارهم ثمناً للحقيقة لم يمنحونا معادلات فقط بل تركوا لنا درساً أخلاقياً عميقاً وهو أن الشجاعة ليست دائماً في الانتصار أحياناً تكون في عدم الكذب على النفس..لكن السؤال الذي يظل عالقاً بذهني هو:
من أين تأتي تلك القوة التي تدفع إنساناً أعزل للوقوف في وجه سلطة تعرف أنه سيُسحق تحتها؟
هل هو الضمير؟
أم الأخلاق؟
أم شيء أعمق من ذلك؟
وفي المقابل ما الذي يدفع آخرين إلى الخوف المرضي من أي رأي مختلف؟

قد نفهم الغضب لكن الوحشية لا تفسير لها إلا في داخل النفس نفسها.
أعتقد أن هناك سلطة داخل الإنسان أقوى من الخوف وأقوى من الغريزة هي احترامه لذاته. عندما يتخلى الإنسان عن الحقيقة التي يؤمن بها يفقد شيئاً من إنسانيته..لذلك يفضل البعض الألم على التنازل لأن التنازل بالنسبة لهم موت بطيء.
أما أولئك الذين يعذبون غيرهم بسبب أفكارهم فغالباً ما تحركهم غيرة خفية..غيرة من شجاعة
لايمتلكونها..ومن يقين لايستطيعون الوصول إليه. هم يعرفون في أعماقهم أن خصومهم على حق لكن الاعتراف بذلك يتطلب شجاعة لايملكونها.
وهكذا يظل أصحاب الأفكار الجامدة ساهرين يطاردون المختلفين عنهم لأن الحقيقة تطاردهم أولاً..فهم يعرفون مهما أنكروا أن الأرض كروية وأنها تدور…
وكما تدور الأرض تدور الأفكار مهما طال الزمن.


رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
الحقيقة..غاليليو, الكنيسة, حاربت, غاليلي, عندما, نموذجاً

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:15 AM.



© جميع الحقوق محفوظة لـ فهد الحربي - fahad.alharbieer@gmail.com