|
#1
|
||||
|
||||
|
((عندما تغيب الدولة ما الذي يبقى؟))
في النقاشات الدائرة حول أزمات الشرق الأوسط، غالباً ما ينصبّ التركيز على طبيعة الأنظمة السياسية وكأن المشكلة الأساسية تكمن في كون بعض الدول غير ديمقراطية أو تعاني اختلالات في الحكم..لكن التجربة العملية خلال العقود الماضية تشير إلى أن الخطر الأكبر لايتمثل في ضعف النظام بقدر مايتمثل في غياب الدولة نفسها..فالدولة حتى حين تكون ناقصة أو مثقلة بالمشكلات تظل إطاراً يمكن إصلاحه أو الضغط عليه أو تطويره تدريجياً..أما عندما تنهار فإن مايختفي ليس فقط السلطة بل فكرة النظام العام برمتها. عندما تتراجع الدولة لايبقى الفراغ فارغاً طويلاً. سرعان ما تتقدم قوى أخرى لملئه..جماعات مسلحة..شبكات تهريب..اقتصاديات ظل..وتدخلات خارجية لكل منها حساباته الخاصة. في هذه البيئة يصبح العنف وسيلة يومية لإدارة الخلافات وتتحول السياسة من عملية تفاوضية إلى صراع قوة مفتوح..هذه التحولات لا تبقى محصورة داخل حدود الدولة المنهارة بل تنتقل آثارها بسرعة إلى الدول المجاورة سواء عبر موجات نزوح أو انتشار السلاح أو تنامي شبكات الجريمة والتطرف. من هذا المنظور يمكن فهم لماذا تعطي بعض الدول الإقليمية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية أولوية واضحة لمفهوم استقرار الدول والحفاظ على كيانها..هذا التوجه لايعني بالضرورة الدفاع عن كل سياسات الحكومات القائمة أو تجاهل إخفاقاتها بل ينطلق من قناعة مفادها أن كلفة تفكك الدولة غالباً ما تكون أعلى بكثير من كلفة التعامل مع دولة ضعيفة قابلة للإصلاح. في المقابل شهدت بعض ساحات النزاع في المنطقة نماذج مختلفة للتدخل الإقليمي اعتمدت على بناء علاقات مباشرة مع فاعلين محليين مسلحين أو دعم قوى أمر واقع خارج الأطر المؤسسية الرسمية..قد يحقق هذا الأسلوب مكاسب سريعة من حيث النفوذ أو التأثير الميداني لكنه يطرح إشكاليات طويلة الأمد..فالقوى المسلحة التي تُدعَم خارج مؤسسات الدولة نادراً ما تندمج لاحقاً في نظام سياسي موحّد..وغالباً ماتطور مصالحها الخاصة التي تتعارض مع أي مشروع وطني جامع. النفوذ في معناه الأعمق لايُقاس بمدى القدرة على تحريك الفاعلين المحليين أو التأثير في مسارات قصيرة الأجل بل بمدى الإسهام في خلق بيئة أكثر استقراراً وقابلية للحكم..عندما تصبح الميليشيات أو الفصائل المسلحة بدائل دائمة للمؤسسات تتحول الدولة إلى كيان شكلي وتصبح عملية إعادة البناء أكثر تعقيداً وكلفة ليس على الدولة المعنية فقط بل على محيطها الإقليمي أيضاً. تلعب الجغرافيا هنا دوراً حاسماً..فالدول التي تتشارك حدوداً مباشرة مع بؤر النزاع تكون أكثر عرضة لتداعيات الانهيار سواء من حيث الأمن أو الاقتصاد أو المجتمع..ولهذا فإن السياسات التي قد تبدو أقل كلفة لدولة بعيدة نسبياً عن خطوط التماس يمكن أن تتحول إلى عبء ثقيل على جيران أقرب وأكثر انكشافاً..هذه الحقيقة تفسّر جانباً من الحساسية العالية تجاه أي تحركات قد تؤدي إلى إطالة أمد الصراعات أو تعقيد مسارات التسوية. اليمن يقدّم مثالاً واضحاً على هذا التعقيد..فإعادة بناء مسار سياسي قادر على إنهاء الحرب تتطلب حداً أدنى من التماسك داخل المعسكر الداعم لفكرة الدولة..وعندما تتعدد مراكز القوة خارج هذا الإطار تصبح فرص التسوية أضعف حتى لو كانت النوايا المعلنة تتحدث عن الاستقرار أو مكافحة التهديدات المشتركة..في مثل هذه الحالات لايكون الخاسر طرفاً واحداً بل مجمل فكرة الدولة الوطنية. في نهاية المطاف تبدو الحاجة ملحة إلى مقاربة إقليمية أكثر اتساقاً تقوم على مبدأ بسيط لكنه أساسي الدولة مهما كانت ضعيفة تظل أفضل من غيابها..دعم المؤسسات وتعزيز المسارات السياسية وتفضيل الحلول طويلة الأمد على المكاسب السريعة قد لايحقق نتائج فورية لكنه يضع أسساً أكثر صلابة لاستقرار حقيقي..وفي منطقة أنهكتها الصراعات قد يكون هذا النوع من الصبر الاستراتيجي هو الخيار الأكثر واقعية والأقل كلفة على المدى البعيد. |
![]() |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| الذي, الدولة, تغيب, يبقى؟, عندما |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|